
يوما ما سأكون وحيدا، ربما يؤنس وحدتي كلبا سأقتنيه عندما أتاكد من مصيري البائس، وقتها – أعرف – لن أفي بوعدي لنفسي، و سأُذكر بكثير من اللوم والتأنيب كيف أنني ضيعت كل الفرص، و ذهبت إلى هذا المصير بوعي كامل فأصبحت هذا العجوز الوحيد.
س١ : حصل اجتماع يوم 22 يناير، هل ورد إلي رئيس الجمهورية السابق ما دار في هذا الاجتماع وما أسفر عنه وما كان مردوده ؟
ج1 : الاجتماع كان برئاسة رئيس الوزراء واعتقد أننه بلغ
س2 : بداية من أحداث 25 يناير وحتي 11 فبراير هل تم اجتماع بينك وبين الرئيس السابق حسني مبارك ؟
ج2 : ليست اجتماعات مباشرة ولكن يوم 28 يناير لما أخذنا الأمر من السيد رئيس الجمهورية كان هناك اتصالات بيني وبين السيد
الرئيس ؟
س3: ما الذي أبداه رئيس الجمهورية في هذه اللقاءءات ؟
ج3: اللقاءات بيننا كانت تتم لمعرفة موقف القوات المسلحة خاصة يوم 28 وعندما كلفت القوات المسلحة للنزول للبلد ومساعدة الشرطة لتنفيذ مهامها يتبع
ج٣-2: كان هناك تخطيط مسبق للقوات المسلحة وهذا التخطيط يهدف لنزول القوات المسلحة مع الشرطة وهذه الخطة تتدرب عليها القوات المسلحة يتبع
ج٣-3: القوات المسلحة بتنزل لما الشرطة بتكون محتاجة المساعدة وعدم قدرتها علي تنفيذ مهامها وأعطي الرئيس الأمر لقائد القوات المسلحة - يتبع
ج٣-4 : أعطي الرئيس الأمر لقائد القوات المسلحة اللي هي نزول القوات المسلحة لتأمين المنشآت الحيوية وهذا ما حدث
س4 : هل وجه رئيس الجمهورية السابق المتهم محمد حسني مبارك أوامر إلي وزير الداخلية حبيب العادلي باستعمال قوات الشرطة القوة ضد المتظاهرين؟ يتبع
س٤-2: استعمال قوات الشرطة القوة ضد المتزاهرين بما فيها استخدام الاسلحة الخرطوش والنارية من 25 يناير حتي 28 يناير ؟
ج4 : ليس لدي معلومات عن هذا واعتقد ان هذا لم يحدث
س5: هل ترك رئيس الجمهورية السابق للمتهمين المذكورين من أساليب لمواجهة الموقف ؟
ج5 : ليس لدي معلومات
س6: هل ورد أو وصل إلي علم سيادتك معلومات أو تقارير عن كيفية معاملة رجال الشرطة ؟
ج6 : هذا ما يخص الشرطة وتدريبها ولكني أعلم ان فض المظاهرات بدون استخدام النيران
س7 : هل رصدت الجهات المعنية بالقوات المسلحة وجود قناصة استعانت بها قوات الشرطة في الأحداث التي جرت؟
ج7 : ليس لدي معلومات
س8 : تبين من التحقيقات إصابة ووفاة العديد من المتظاهرين بطلقات خرطوش أحدثت إصابات ووفيات..هل وصل ذلك الأمر لعلم سيادتك وبم تفسر ؟
ج8: إنا معنديش معلومات بكده.. الاحتمالات كتير لكن مفيش معلومة عندي
س9 : هل تعد قوات الشرطة بمفردها هي المسئولة دون غيرها عن إحداث إصابات ووفيات بعض المتظاهرين ؟
ج9 : إنا معرفش ايه اللي حصل
س10 : هل تستطيع سيادتك تحديد هل كانت هناك عناصر أخري تدخلت ؟
ج10 : هيا معلومات غير مؤكدة بس اعتقد ان هناك عناصر تدخلت
س11 : وما هي تلك العناصر ؟
ج11 : ممكن تكون عناصر خارجة عن القانون
س12 : هل ورد لمعلومات سيادتك ان هناك عناصر اجنبية قد تدخلت ؟
ج12 : ليس لدي معلومات مؤكدة ولكن ده احتمال موجود
س13 : وعلي وجه العموم هل يتدخل الرئيس وفقا لسلطته في ان يحافظ علي أمن وسلامة الوطن في إصدار أوامر
أو تكليفات في كيفية التعامل ؟
ج13 : رئيس الجمهورية ممكن يكون أصدر أوامر - طبعا من حقه ولكن كل شئ له تقييده المسبق وكل واحد عارف مهامه
س14 : ولمن يصدر رئيس الجمهورية علي وجه العموم هذه الأوامر ؟
ج 14 : التكليفات معروف مين ينفذها ولكن من الممكن ان رئيس الجمهورية يعطي تكليفات مفيش شك
س15 : وهل يجب قطعا علي من تلقي أمر تنفيذه مهما كانت العواقب ؟
ج15 : طبعا يتم النقاش والمنفذ يتناقش مع رئيس الجمهورية وإذا كانت الأوامر مصيرية لازم يناقشه
س16: هل يعد رئيس الجمهورية السابق المتهم محمد حسني مبارك مسئول مسئولية مباشرة أو منفردة مع من نفذ أمر التعامل مع ألمتظاهرين الصادر منه شخصيا
ج16 : إذا كان أصدر هذا الأمر وهو التعامل باستخدام النيران أنا اعتقد ان المسئولية تكون مشتركة وأنا معرفش ان كان أعطي هذا الأمر أم لا
س17: وهل تعلم ان رئيس الجمهورية السابق كان علي علم من مصادره بقتل المتظاهرين ؟
ج17: يسأل في ذلك مساعديه الذين ابلغوه هل هو علي علم أم لا
س18: وهل تعلم سيادتكم ان رئيس الجمهورية السابق قد تدخل بأي صورة كانت لوقف نزيف المصابين ؟
ج18 : اعتقد انه تدخل وأعطي قرار بالتحقيق فيما حدث وعملية القتل وطلب تقرير وهذه معلومات
س19: هل تستطيع علي سبيل القطع والجزم واليقين تحديد مدي مسئولية رئيس الجمهورية السابق عن التداعيات التي أدت إلي إصابة وقتل المتظاهرين ؟
ج19 : هذه مسئولية جهات التحقيق
س20: هل يحق وفقا لخبرة سيادتكم ان يتخذ وزير الداخلية وعلي وجه العموم ما يراه هو منفردا من اجراءات ووسائل وخطط لمواجهة التظاهرات - يتبع
س٢٠-2 : دون العرض علي رئيس الجمهورية؟
ج20: اتخاذ الاجراءات تكون مخططة ومعروف لدي الكل في وزارة الداخلية ولكن في جميع الحالات يعطيه خبر بما يخص المظاهرات ولكن التظاهر وفضه - يتبع
ج٢٠-2 : ولكن التظاهر وفضه هي خطة وتدريب موجود في وزارة الداخلية
س21 : وهل اتخذ حبيب العادلي قرار مواجهة التظاهر بما نجم عنه من إصابات ووفيات بمفرده بمساعدة المتهمين الاخرين في الدعوى المنظورة - يتبع
س٢١-2 : وذلك من منظور ما وصل لعلم سيادتك ؟
ج 21 : معنديش علم بذلك
س22 : علي فرض إذا ما وصلك تداعيات التظاهرات يوم 28 يناير إلي استخدام قوات الشرطة آليات مثل اطلاق مقذوفات نارية أو استخدام السيارت لدهس -يتبع
س22-2 : سيارات لدهس المتظاهرين..هل كان أمر استعمالها يصدر من حبيب العادلى يصدر من حبيب العادلى ومساعديه بمفردهم ؟
ج 22 : ما أقدرش أحدد اللي حصل أيه ولكن ممكن هو اللى اتخذها وأنا ما أعرفش واللى اتخذها مسئول عنها
س23: هل يصدق القول تحديداً وبما لا يدع مجالاً للشك أو الريبة أن رئيس الجمهورية السابق لا يعلم شيئاً أو معلومات أيا كانت عن تعامل الشرطة يتبع
س23-2 : بمختلف قواتها أو أنه لم يوجه إلى الأول سمة أوامر أو تعليمات بشأن التعامل والغرض أنه هو الموكل إليه شئون مصر والحفاظ على أمنها ؟
ج23 : أنا ما أعرفش اللى حصل أيه لكن أعتقد إن وزير الداخلية بيبلغ وممكن ما يكونش مش عارف بس أنا ما أعرفش
س24 : هل هناك اصابات أو وفيات لضباط الجيش ؟
ج 24 : نعم هناك شهداء
س25 : هل تعاون وزير الداخلية مع القوات المسلحة لتأمين المظاهرات ؟
ج 25 : لأ
س26 : هل أبلغت بفقد ذخائر خاصة بالقوات المسلحة؟
ج26: مفيش حاجة ضاعت لكن هناك بعض الخسائر في المعدات واتصلحت ومفيش مشكلة
س27: هل أبلغت بدخول عناصر من حماس أو حزب الله عبر الأنفاق أو غيرها لإحداث إضرابات ؟
ج27 : هذا الموضوع لم يحدث أثناء المظاهرات واحنا بنقاوم الموضوع ده واللي بنكتشفه بندمره وإذا كان فيه حد محول لمحكمة فهذا ليس أثناء المظاهرات
س28: هل تم القبض على عناصر أجنبية في ميدان التحرير وتم إحالتهم للنيابة العسكرية ؟
ج28: لا ..لم يتم القاء القبض على أى أحد
س29: فى الاجتماع الذي تم يوم 20 يناير هل تم اتخاذ قرار بقطع الاتصالات؟
ج29 : لم يحدث
س30: بعض اللواءات قالوا طلب منا فض المظاهرات بالقوة..هل طلب من القوات المسلحة التدخل لذلك ؟
ج30: أنا قلت فى كلية الشرطة في تخريج الدفعة إن أنا بأقول للتاريخ إن أي أحد من القوات المسلحة لن يستخدم النيران ضد الشعب
تمت


على خلفية أزيز متقطع تصدره سيارته «اللاند روفر» بسبب تخطيه حدود السرعة المتاحة، التفت إلىّ سالم لافى، ليسألنى بنبرة صوت رخيمة، تشبه صوت أحد الدعاة الجدد، قاطعا صمتاً صحراوياً: «هو أنا لو اتقتلت فى اشتباك مع الشرطة الآن أكون شهيد؟.. سؤال هادئ، تخلى فيه المطلوب الأول من أجهزة الأمن المصرية فى سيناء، عن ابتسامته المعتادة، وحسه الساخر.. سؤال جاء من خلف قناع واثق، تحسبه لا يخشى الشرطة أو صوت الرصاص، وفى لحظة تجل، تحدث فيها «سالم لافى» الرجل الأشهر فى سيناء، عن شعوره ورؤيته لشخصه «أنا مش ملاك، بس هما كمان مش ملايكة»، وقناعته التى يستمد منها شجاعته «أنا بدافع عن عرضى وعرض قبيلتى، ومن مات دون عرضه فهو شهيد»، ودفاعه عن نفسه ضد اتهام التعاون فى الماضى مع نفس الأجهزة الأمنية التى تطارده الآن «عمرى ما اشتغلت لهم مرشد، كنت بتوسط للغلابة أو أحل مشاكلهم بمساعدة أحد قيادات الداخلية، لكن عمرى ما بلّغت أو أرشدت عن بدوى واحد».
.. يسيس «لافى» قضيته مشيرا بأصبعه إلى قطاع غزة المضىء على بُعد كيلومترات: «الداخلية بتطاردنا عشان بنساعد الناس دول» أو يمد مظلتها لتصبح قضية عامة: «كل البدو بيتعرضوا لظلم، ومطالبنا معروفة وأولها إلغاء الأحكام الغيابية ومقاضاتنا نحن والضباط أمام محكمة محايدة». نهار طويل وليل أطول ضم «المصرى اليوم» مع المطاردين فى جبال سيناء، رصدنا ثقتهم فى أنفسهم، وخوفهم على عائلاتهم، مشاعر المرارة تجاه ما يسمونه «اضطهاداً»، وشطحات خيالهم فى خطط كبيرة، قابلة للتنفيذ فى حالة استمرار المواجهة.. يوم فوق الجبل، تنقله «المصرى اليوم» بتفاصيله.
لا فرق فوق الجبل بين ليل أو نهار، دوما توجد عيون ساهرة، متيقظة للطريق الرئيسى، وعيون نصف نائمة تنتظر إشارة أو همسة فى أذنها لتستيقظ، فى الظهر وعندما يكون الجميع مستيقظا، يتفرق الجميع فى أنحاء المكان، غرفتان من أحجار رمادية، فارغتان معظم الوقت، فى المساحة الواسعة أمامهما يجلس الجميع على سجاد بسيط، يحيط بهما سور مرتفع من جهتين، والغرفتان من جهة، ويبقى الضلع الأخير مفتوحاً على صحراء ممتدة، تقف فيها سياراتهم «اللاند روفر» التى يتغير عددها طوال اليوم، ما بين ٥ و١٥ سيارة، وحوض مياه واسع، يخزنون فيه المياه للوضوء والاغتسال، يجلس الجميع متناثرا فى أنحاء المكان، يشربون الشاى الذى لا يتوقف عن الغليان فوق نار حطب مشتعل لا تموت، يستند البعض إلى الحائط ويحدق فى الفراغ، ويتكئ آخرون على أحجار بيضاء، يتسامرون فى ثنائيات حول كل شىء، بداية من هجوم الأمن على قراهم مساء اليوم السابق، إلى حكايات وجدل عن «هل قراقوش هو الذى منع المصريين من أكل الملوخية، أم الحاكم بأمر الله؟».
«موسى الدلح».. يعاملونه كشيخ للقبيلة رغم رفضه ذلك، هو أحد أبرز المطلوبين أمنيا، يجلس مرتديا جلبابه البدوى الرمادى، وبنطلونا من نفس اللون، متكئا على «مخدة» مسنودة على حائط حجرى، يستبدل حزام الوسط البدوى النمطى بشنطة وسط على الطراز الأمريكى، ولكنه لا ينسى أن يثبت فيها خنجراً صغيراً فضى منقوشة عليه بعض الرسومات البسيطة، يعامل «موسى» الذى يرفض لقب «الكبير»، الجميع باحترام ويحتضنهم بحب وسعة صدر، فلا ينزعج من معارضة أحد أو اختلافه معه فى وجهة نظره، ويحاول إقناعه بأسلوبه المنمق وكلماته التى يجيد اختيارها، فى بطاقة موسى تحمل خانة الوظيفة «منسق الشؤون الخارجية للبدو بمصانع الأسمنت»، وهى الوظيفة التى يقول إن «جهات ما» كافأته بها بعد خروجه من المعتقل لفترة.
فوق التلة الصحراوية القريبة من قرية «وادى عمرو» بوسط سيناء، يلملم الجميع أرواحه، ويرسلها فى نظرات من خلال ثقوب الجدران إلى الطريق الرئيسى، حيث ترابط مدرعات الشرطة، لا يخاف «الجنيّون» (مصطلح بدوى يعبر عن البدو المطاردين أمنيا) على أنفسهم من قوات الشرطة، ولكنهم يفكرون باستمرار فى عائلاتهم المستقرة بالأسفل، يخافون عليها من المداهمات والانتهاكات – حسب قولهم - يتذكر أحمد الدلح: «والله يا شيخ لما دخلوا البيت ما خّلوا فيه شىء، حتى زجاجات العطر، وشاحن الموبايل، والأحذية لم تسلم من أيديهم»، وبصوت اجتهد ليخرج هادئا يكرر «موسى الدلح» مكالمة بينه وبين أحد أفراد الجهاز الأمنى يسأله فيها بتهديد مبطن عن ابنه عمرو صاحب الـ١٦ عاما، فوق التلة يجلس الجميع متناثرين فى أنحاء المكان، ينام البعض، ويقرأ آخرون الصحف، التى يفضل البعض الآخر متابعتها على شبكة الإنترنت من خلال موبايله أو اللاب توب، لا تجمعهم إلا نظرات تتكرر تجاه الشخص الذى يجلس فوق حائط غير مكتمل بناءه، يراقب الطريق عبر نصف منظار حربى، ربما فقد نصفه الآخر خلال أحداث حرب مضت.
صباحا، تختفى إحدى السيارات، قبل أن تظهر ثانية، حاملة معها عدد كبير من الصحف، تجمّع البدو المطاردون (الجنّيون)، فى حلقات حول الصحف، الجميع يقرأ ويعلق بصوت عال، ويسخر أحيانا أخرى، يقول أحدهم «الراجل اللى اسمه عمرو أديب كان بيسب علينا من يومين، والله لو عرفنا إنه جاى سيناء، سوف نخطفه» فيكمل آخر «وبعدين راح نتركه، ويطلع على التليفزيون» ويبدأ فى تقليد أداء الإعلامى الكبير «سوف يقول: خرجوا عليا زى الوحوش، هددونى برشاشات آلية، فسألتهم إنتم أهلاوية ولاّ زملكاوية»، يضحك الجميع، ضحكات صافية، خالية من القلق وإحساس المطاردة، اللذين لا يظهران إلا عند الحديث عن العائلات والأولاد.
على سور الحوض المائى، يقرفص للوضوء «سلامة فياض»، مرتديا «جاكت» مكتوبا عليه «القوات الجوية الملكية السعودية»، فوق تى شيرت دون أكمام، بلحية غير مهذبة وطاقية بيضاء، يحكى عن أبنائه الستة، ومنتجعه السياحى فى جنوب سيناء، يتذكر اعتقاله لمدة طويلة، ومحاولة الأمن الاتفاق معه على العمل كمرشد مقابل الإفراج عنه، «وافقت، ولما خرجت من المعتقل، طلعت ع الصحراء، البدوى لا يشى عن بدوى للضباط»، وبمرارة مختلطة بفخر كبير يروى ما يراه إنجازه الشخصى: «وقت السيول خرجت سيارة إسرائيلية هامر عن مسارها وانقلبت فى الأراضى المصرية، وجدت فيها خططاً وخرائط للجيش الإسرائيلى، سلمتها لأحد الضباط، وانتظرت عفواً رئاسياً عن الأحكام الغيابية، لم أنله حتى الآن». مرارة سلامة عند حديثه عن قوات الأمن هى ما تجمع الجميع.. يختلف الجنّيون فى المزاج، وطريقة التفكير، ولا يجمعهم إلا حبهم لهويتهم البدوية، وإحساسهم بالظلم من طريقة تعامل بعض رجال الأمن معهم، والأحكام الغيابية التى تنال من الجميع لأسباب مختلفة.
يحلل موسى الدلح: «صورتنا الذهنية فى عقول ضباط وزارة الداخلية، مهربون، وتجار مخدرات، ويعاملوننا بمبدأ واحد (الحسنة تخص والسيئة تعم، حتى التليفزيون والسينما فى تصويرهما للبدوى لهما دور فى نقل هذه الصورة الذهنية)».
تحت شمس الصحراء الحارقة، يبحث الجميع عن الأخبار، تصفح الإنترنت والبحث عن كلمات «بدو، سيناء» لا يتوقف، سيارات تروح وتجىء بشكل مستمر محمّلة بالأخبار، وإذاعة الـ«بى. بى. سى» تطن دوما داخل إحدى السيارات، ورنين أجهزة الموبايل لا ينتهى، اتصالات دائمة، بعضها لنقل الأخبار، وبعضها الآخر للدعم وشد الأزر «هذا تليفون من قبيلة فى جنوب سيناء» و«هذه مكالمة من قبيلة فى وسط سيناء يخبروننا أنهم مستعدون لدعمنا بأى طريقة» البدو على اختلاف قبائلهم يوحدهم الإحساس بالظلم يلخصه أحدهم: «مش عايزين نتعامل مع وزارة الداخلية، أى جهة سيادية أخرى، ولكن الداخلية لا».
قبل غروب الشمس تختفى إحدى السيارات من جديد، قبل أن يعود قائدها حاملا معه طعاماً ومياهاً معدنية، وعدداً من عبوات المياة الغازية والسجائر، وينطلق من جديد ببعض الطعام لمكان آخر، به عدد آخر من «الجنيين»، قبل أن يعود وينقسم الجميع إلى حلقات، يلتفون حول الطعام، يأكلون ويمضغون القلق والمرارة، يأخذهم الحديث عن الداخلية، إلى قراقوش الحاكم التاريخى، فيقول أحمد «المصراوية اتعودوا على الظلم، ده قراقوش منعهم من أكل الملوخية» فيرد «الدلح» «الحاكم بأمر الله هو الذى منع أكل الملوخية، والمصريون شعب طيب، لا يثور، حتى ٢٣ يوليو، كان انقلاباً عسكرياً» يحلل البدو المطاردون فوق الجبل بأريحية خبراء سياسيين على شاشة قناة إخبارية، لا يخافون المدرعات المرابطة على حدود قراهم، يقول سلامة فياض بخبرة عسكرى: «إحنا على منطقة حدودية، لا يستطيع الأمن الدخول فى اشتباكات واسعة، ولو استطاع عدد من المدرعات الدخول إلى الصحراء، ففترة الـ(١٠ دقائق) اللازمة لوصولهم إلينا كافية لهروبنا فى الصحراء الواسعة، ولو دخلوا بعدد بسيط من المدرعات فتسليحنا كاف لمواجهتها».
مكالمة تليفونية تتحدث عن شائعة وصول طائرة هليكوبتر «اباتشى» لمطار العريش، يقابلها الشباب بالابتسامات القلقة، ويستقبلها الكبار بالضحكات الصافية: «نحن فى المنطقة (ج) ممنوع وصول الطائرات المسلحة إلى هذا المكان». أسأل «سلامة»: «ولو وصلت؟» يرد بثقة: «قبل ما توصل نكون خطفنا اليهود من جنوب سيناء وصنعنا منهم ساتر بشرى». فى البناء الحجرى البسيط، لا يحمل «الجنّيون» أسلحة، تحمل السيارات أسلحة مختلفة، ولكن أحاديث غير مكتملة، وإيماءات بين «الكبار» فوق الجبل، تعبر عن وجود الكثير من الأسلحة، يقول أحدهم «الله يرحمه عبدالناصر ترك لنا الكثير من مخازن الأسلحة».
بوعى سياسى جيد، يخوض البدو فوق الجبل مناقشاتهم السياسية، يتحدث الجميع - ويؤكد «موسى» المحافظ - على التقاليد، عن أحد الأعراف عندما ينفعل أحمد على أحد الشباب لمقاطعته، يقول: «المفروض يحترم الكبير»، فيرد موسى «الكبير الناس بتحترمه عشان بيحترم الصغير وبيكلمه كويس»، ويلتفت إلىّ «البدو سيظلون طوال عمرهم محافظين على تقاليدهم وأعرافهم، نرفض قوانين الدولة لأن قوانينا أكثر عدلا وإنصافا وتطبق على الجميع».. يصمت أحمد وينظر لموسى وللشاب، ويكمل حديثه المقطوع «الجنيه وقت عبدالناصر كان بتلاتة جنيه، وفى وقت السادات أصبح مساويا للدولار، الآن الجنيه ولا يسوى شىء»، شعور المرارة الذى يحمله البدو، يستند إلى اتهامهم المكرر بالفساد «احنا مش ملايكة، بس طالما فيه حساب يبقى على الكل، الكبير قبل الصغير». حسب موسى، ينام ويصحو، يتذكر أولاده، ويطمئن عليهم، ويسأل «يرضى مين نظل مطاردين فوق الجبل؟» فيرد أحدهم «لماذا لا يحاسب الضباط أيضا؟».
إحساس «غياب دولة القانون» الظاهر بقوة فوق الجبل، بدأ منذ زمن بعيد بالأسفل «لما يحاسبوا كل الفاسدين فى الدولة، يحاسبونا احنا كمان»، كلمات يشارك بها أحد الشباب فى الحديث أثناء صب أكواب الشاى الصغيرة.
بعد الأكل والشاى، يدخل معظم المتواجدين فى وصلات نوم متقطعة، ويظل أحد الشباب قابضا على المنظار، يقطع صمته القلق المستمر من وقت للآخر، بعدّ المدرعات على الطريق الرئيسى، أو بإشارة إلى تحرك إحدى المدرعات، ومجىء بديل لها، ويبقى آخرون صامتين يحدقون فى الصحراء الواسعة لفترات طويلة، فى واحدة من العادات التى علمتها لهم الصحراء، يستيقظ موسى وآخرون، يتوضأ كل منهم ويصلون فى عمق الصحراء، على الرمال، يستقبلون الضيوف ويشربون الشاى، يتبادلون التحيات مع الضيوف، والتحليلات لكيفية انتهاء الأزمة.. يؤكد بعضهم أن ما يفعلوه مجرد رد فعل على انتهاكات الشرطة لمنازلهم، ويتذكرون المشهد فى معبر «العوجة» عندما هاجموه وأوقفوا حركته التجارية لفترة، قبل أن تتدخل إحدى الجهات السيادية للإفراج عن أفراد عائلاتهم المخطوفة مقابل عدم تكرار الهجوم على المعبر..
يمر الوقت فى دردشات متناثرة على الرمال، تحت ضوء شمس الغروب، قبل أن يصل «سالم لافى» أبرز المطلوبين أمنيا.. وجه أسمر ممتلئ، وذقن محددة بدقة يختلط فيها الشعر الأبيض بالأسود، يرتدى تى شيرت أسود، وبنطلونا «باجى» بنى اللون، يحمل فيه مسدسا، ويلف على رأسه شالا أبيض اللون، يدخل محييا الجميع بأسلوب مسرحى، مبتسما، مرحا، يدندن بالأغانى، ويلقى النكات والقفشات، وبعد لحظات يجمعه لقاء ثنائى مع موسى للتفاوض حول التفاصيل التى سيصرحون بها لوسائل الإعلام، يداعب سالم الجميع بالأعلى، ويتحدث باستهتار عن المدرعات بالأسفل، وعندما يقف المراقب ليعلن عن تحرك المدرعات، يقترب الجميع من السور لإلقاء نظرة، ويبقى سالم وموسى جالسين متكئين على الحائط الحجرى، يكملان نقاشهما.
تغرب الشمس، وتبدأ أصوات الرياح القوية فى السيطرة على المشهد، يغيب القمر غير المكتمل، خلف سحب تملأ السماء، يبدأ الجميع فى ركوب السيارات، ويقرر سالم لافى اصطحابى معه فى السيارة، التى تخترق رمال الصحراء بسرعة كبيرة، قبل أن تصل إلى الطريق الرئيسى، يسود الصمت، ويلاحظ سالم نظراتى إلى الرشاش تحت قدمى، فيداعبنى: «لا تقلق لا يضرب إلا فى وجه من يغضبنى»، يسود الصمت لدقائق قبل أن يكسر حاجزه سالم محاولا طمأنتى بفتح نقاش طويل يبدأ بسؤاله: «لو قُتلت الآن، هل أصبح شهيدا؟!»، لسالم نظريته الخاصة: «أنا بدافع عن بيتى وأرضى وعِرضى» ويستشهد بحديث نبوى يقول معناه (من مات دون عرضه وأرضه وماله فهو شهيد»، ويكمل: «يعنى لو قتلت أكون شهيد، يبقى أخاف من إيه؟»، من وقت لآخر يطمئن سالم على باقى السيارات خلفه فى المرآة الجانبية، ويكمل حديثه «القضية بدأت عندما قتل ضابطان وعدد من الجنود بدوا فى سيارة حاولت تخطيهم على الطريق، السيارة كانت لبدو يعملون فى إدخال السيارات إلى مصر مقسومة إلى نصفين، وفى القاهرة يتولى البعض إصلاحها»
ويكمل: «يعنى مش بيسرقوا ولا حاجة، قتلتهم قوات الشرطة، فغضب البدو بشدة وتجمهروا أمام مكتب الأمن، فاتصل بى وبصديقى إبراهيم العرجانى أحد قيادات الأمن فى سيناء لتهدئة الأوضاع، كنت مشغولا، فأرسل ابراهيم أخاه واثنين من أقربائه إلى التجمهر لتهدئتهم، وفى الطريق إلى هناك، قتلهم ضابطان وأربعة عساكر، وأخذوهم إلى منطقة حدودية ودفنوهم مع القمامة، ولكننا استطعنا الوصول إليهم، وصورناهم فيديو، وأعطيت أنا هذه المقاطع إلى لجنة تقصى الحقائق التى جاءت للتحقيق من مجلس الشعب، فنشرها أحد أعضاء اللجنة فى وقت متزامن مع تصريح لوزير الداخلية يقول إن الشرطة لم تقتل أحداً من البدو، وهو ما أغضب الأمن وقرر الانتقام، فاتهمونى انا وإبراهيم العرجانى بإثارة الشغب، واعتقلونا معاً، وعندما علمت أن فترة حبسى سوف يتم تمديدها، هربت، وسأظل هاربا».
يقطع «لافى» حديثه وينظر فى المرآة الجانبية، ويتساءل عندما لا يجد أى سيارة خلفه «فين باقى السيارات راحت فين؟»، ويطفئ أنوار السيارة، ويدخل إلى الصحراء مرة أخرى، وفوق تلة رملية، يقف، وينظر إلى الطريق، صامتا، بعيونِ لامعة، يقف الزمان لوهلة، قبل أن يعود للابتسام عند ظهور أنوار السيارات من بعيد، وتباعا تتوقف السيارات على الطريق الأسفلتى لحظات قبل أن تقطع الصحراء الرملية لتصل إلى نفس النقطة.
فوق التلة الرملية وتحت لوحة مرسومة لسماء مليئة بالنجوم، ينزل الجميع من سياراتهم، ويبدأ بعض الشباب فى إشعال بعض الحطب، الذى يتحول لشعلة نارية كبيرة، يتحلق حولها الجميع، وينطلقون فى خيوط حكى لا تنتهى، يتذكرون بنفس الحميمية العائلة والأبناء والمواجهة الأخيرة مع الشرطة، يتحدثون عن المصراوية، وعن البرادعى، وخالد سعيد، يتذكرون ما يعتبرونه «أطرف القضايا» التى كانت الشرطة أحد أطرافها، فيروى أحدهم ما يراه «التلفيقة الأكبر عن «الشاب الذى اتهموه بالسطو المسلح فى جنوب سيناء»،
وينتصر عليه آخر بحكاية: «فى قريتنا وبسبب الأعراف لا نستخرج شهادات وفاة لموتانا، رجل عجوز مات عام ١٩٨٣، اتهموه بالاتجار فى المخدرات فى قضية عام ٢٠٠٧»، يضحك الجميع فى أجواء أشبه برحلات السفارى، كلما انتهى أحد الخيوط، مد أحدهم خيطا جديدا يتسامرون حوله، حتى أرسلت الشمس خيوط ضوءها الأولى، لتقطع خيوط السمر، ويسكت «الجنّيون» عن الكلام المباح

كنت الخامس بين إخوتي. ولكن نداهة المشاوير خاطبتني مبكرًا، لأني ذكر صغير. وأخي ذكر كبير. وبيننا فتاتان لا يصح أن يخرجا إلا للشديد القوي، م...