مثل سيارة نقل الموتى،كان يستدعي في الذاكرة مشاعر مختلفة..كان الجميع يتذكر فيه وجوها لآخرين رحلوا . فيحلم البعض برؤية من غاب، و يتمني البعض أن يموت من مات ألف مرة، يقرأ المتدين منهم "الفاتحة" ، ويتذكر السكير نخبً شرباه - والراحل- سويا.
مثل سيارة نقل الموتى، لا يخطر علي بال مَعَارِفُه إلا متصلا بالأخر ، وقليلا، قليلا جدا ، ما فَكّر فيه أحدا بصفة مستقلة. بالنسبة للجميع هو صديق فلان، أخو فلان، أبن فلان، تماما مثل "السيارة" سبق ونقلت للدار الآخرة فلان وفلان وفلان. كان يخاف المستقبل، وأكثر ما كان يهابه أن يبقي أسمه متصلا بفلان، أن يبقي مثل سيارة نقل الموتى يتحدث عنه الجميع دون ضمير ملكية واضح.
في ذكرى مرور عام من الحرب على غزة ومع استمرار الحصار وتدهور الأحوال الصحية والإقتصادية والإنسانية بالقطاع، توافد إلى مصر أكثر من ألف ناشط من ٤٢ دولة لدخول غزة عبر معبر رفح في محاولة جديدة لكسر الحصار، وادخال مواد إغاثة عبر الحدود المصرية. جاء النشطاء من العالم أجمع في مسيرة أسموها "إلى غزة" وعندما رفضت السلطات المصرية السماح لهم بدخول غزة اعتصم كل منهم أمام سفارته وتنوعت الأشكال والأساليب الإحتجاجية في شوارع القاهرة والجيزة.
اعداد مصطفي بهجت ، أحمد رجب
تصوير مصطفي بهجت ، أحمد رجب ، جانو شربل ، أشرف سعودي
مثل عجوزا يلقي فصوص الحكمةويطرق باب السماء براحة كفه، اهداني رفيق طريقى ذو الشنب النابت، درسي الأول ، عدّل وضعية شنطة المدرسة فوق الكتف الأيمن ، وانتصب بعوده قليلا ، ثم قال : العلاقــات بـــحر ، "أولها" سراب للظمآن ، و "أوسطها" جفاف للحلق..وكلما جف ..كلما احتضنك البحر أكثر.
لسوء ظنيأعتقدت أن بلاغة رفيقي خانته ، فلم يستطيع التعبير عن "آخرها " ، واشفقت عليه فلم اسأل، وبعد قليل ...قليل من العلاقات ، وعلى هدر قطار سريع متجه إلى الجنوب ..إلى اسيوط ..تحديدا جامعة أسيوط ...كشف لى ملاك خان سماءه بعد أن اطلع على الأسرار ، أن رفيقي كان بليغا ..وأن "آخرها" لاآخر له.
-----
كان شحاذا يطوف الشوارع ، يلقي للبعض نكاتا فاجرة بصوت مسموع ، ثم يعود ليذكر ربه فى السر، من جواله أخرج كشكولا مخطوط ، بعيون زائغة قلب صفحاته وأطلق تسبيحة بأسم الرحمن ،ثم انتزع صفحة أعطاني اياها ،ومضي . كان الدرس الثانى مكتوبا فيها بخط السدس العريض : العلاقــــــــات بــحر ، أُترك له نَفسك ،تطفو وتسير عليه مثل نبىُ صاحب إعجاز، تحاول سبق الأمواج يَثقُل وزنك ..ويكون القاع مصيرك.
طرت بدرسى الثانى فوق سحاب النشوة، طُفت و "شُفُتْ " ، أطلق مريدوني علىّ لقب سندباد ، وكُتبت عَنى أساطير "ألف ليلة وليلة"، ليلة تتلو الأخري ، ومـــر زَمن ، و استيقظت على صورة شحاذي الملعون ، يطلق بين رفاقه نكتة عن شابا طفا فوق سطح البحر ، فحمله التيار بعيداإلى دوامة فى منتصف البــحـر تماما.
------
فى طريق العودة صادفني عبداً للرحمــنيحمل مسبحة خضراء، يقرأفيما بين يديه ، ويسترق السمع إلى حكي ركاب قطار الليل، وبين حين و أخر يعلو صوته، فلما جاء دوري و القيت ما عندي من حكايات، تبدأ بالبحر وتنتهي فى قلبه، جاء الصوت رخيما يتلو : العلاقــات بــحـر ، والشاطيء شمسا تحرق، العبد العامر قلبه بالإيمان، لا يأمن قلبه بالحب إلا لو كانت قدمه اليمني على الشاطيء واليسري فى البحر.
جاهدت شيطان حكاياتي، ورجمت العظمة فى عيوني، ثم القيت بجسدى على الشاطيء وسجدت فى أنتظار.. مرت ، فنظرت ، سرت وراءها نحو البحر ، و على شريطِ ضيق تحذوه رمال منتشية بمياه باردة ، وبقلب يآمن بالحب قررت الاستقرار ..مرة أخري مر زمن ، وبعد كثيرمن الأيام، أخبرني كتاب يشبه ما كان بين يدي عبد الرحمن، أن البحر ليس بغدار ، وإن مده وجزره يتحكم فيهما قمراً ، و أن مده وجزره لن يتركا عبد عامر قلبه بالإيمان يسكن فوق الخط الفاصل بين البحر والرمال.
-------
مثل عجوزا يلقى فصوص الحكمة ، وشحاذا يطوف الشوارع ، و عبدا للرحمن يحمل مسبحة خضراء ، جلست فوق الشاطيء ، لا ابغي بحرا أو رملا ، فقط ابحث أخراتبادل معه الحكايات.