- اي جدار ؟
- الجدار اللي حوالينا.
- في الحلم ما كان في اي جدار .
- حلمي انا كان فيه.

كان شَيخُاً جَلِيلاً ،وكُنتْ له تِلميذاً.
بلحية مُهذبة ، و قَلبِ مفُتون ، يَخرجُ من بيتِه كل صَباح.
يُنثر في طريقِه للمسجِد تسعِة ملاَئكُة وابتسامة.
فيبارك بيمينِه مكروباً ، و بيسراه يُلقِي تَحِية.
مثل عجوزا يلقي فصوص الحكمة ويطرق باب السماء براحة كفه، اهداني رفيق طريقى ذو الشنب النابت، درسي الأول ، عدّل وضعية شنطة المدرسة فوق الكتف الأيمن ، وانتصب بعوده قليلا ، ثم قال : العلاقــات بـــحر ، "أولها" سراب للظمآن ، و "أوسطها" جفاف للحلق..وكلما جف ..كلما احتضنك البحر أكثر.
لسوء ظني أعتقدت أن بلاغة رفيقي خانته ، فلم يستطيع التعبير عن "آخرها " ، واشفقت عليه فلم اسأل، وبعد قليل ...قليل من العلاقات ، وعلى هدر قطار سريع متجه إلى الجنوب ..إلى اسيوط ..تحديدا جامعة أسيوط ...كشف لى ملاك خان سماءه بعد أن اطلع على الأسرار ، أن رفيقي كان بليغا ..وأن "آخرها" لا آخر له.
كان شحاذا يطوف الشوارع ، يلقي للبعض نكاتا فاجرة بصوت مسموع ، ثم يعود ليذكر ربه فى السر، من جواله أخرج كشكولا مخطوط ، بعيون زائغة قلب صفحاته وأطلق تسبيحة بأسم الرحمن ،ثم انتزع صفحة أعطاني اياها ،ومضي . كان الدرس الثانى مكتوبا فيها بخط السدس العريض : العلاقــــــــات بــحر ، أُترك له نَفسك ،تطفو وتسير عليه مثل نبىُ صاحب إعجاز، تحاول سبق الأمواج يَثقُل وزنك ..ويكون القاع مصيرك.
طرت بدرسى الثانى فوق سحاب النشوة، طُفت و "شُفُتْ " ، أطلق مريدوني علىّ لقب سندباد ، وكُتبت عَنى أساطير "ألف ليلة وليلة"، ليلة تتلو الأخري ، ومـــر زَمن ، و استيقظت على صورة شحاذي الملعون ، يطلق بين رفاقه نكتة عن شابا طفا فوق سطح البحر ، فحمله التيار بعيدا إلى دوامة فى منتصف البــحـر تماما.
فى طريق العودة صادفني عبداً للرحمــن يحمل مسبحة خضراء، يقرأ فيما بين يديه ، ويسترق السمع إلى حكي ركاب قطار الليل، وبين حين و أخر يعلو صوته، فلما جاء دوري و القيت ما عندي من حكايات، تبدأ بالبحر وتنتهي فى قلبه، جاء الصوت رخيما يتلو : العلاقــات بــحـر ، والشاطيء شمسا تحرق، العبد العامر قلبه بالإيمان، لا يأمن قلبه بالحب إلا لو كانت قدمه اليمني على الشاطيء واليسري فى البحر.
جاهدت شيطان حكاياتي، ورجمت العظمة فى عيوني، ثم القيت بجسدى على الشاطيء وسجدت فى أنتظار.. مرت ، فنظرت ، سرت وراءها نحو البحر ، و على شريطِ ضيق تحذوه رمال منتشية بمياه باردة ، وبقلب يآمن بالحب قررت الاستقرار ..مرة أخري مر زمن ، وبعد كثير من الأيام، أخبرني كتاب يشبه ما كان بين يدي عبد الرحمن، أن البحر ليس بغدار ، وإن مده وجزره يتحكم فيهما قمراً ، و أن مده وجزره لن يتركا عبد عامر قلبه بالإيمان يسكن فوق الخط الفاصل بين البحر والرمال.
مثل عجوزا يلقى فصوص الحكمة ، وشحاذا يطوف الشوارع ، و عبدا للرحمن يحمل مسبحة خضراء ، جلست فوق الشاطيء ، لا ابغي بحرا أو رملا ، فقط ابحث أخر اتبادل معه الحكايات.

مثل كل أيام 27 عاما مضت ، استيقظت من النوم على حلم غير مكتمل، التقطت هاتفي المحمول باحثا عن رسالة انتظرها، ثم تفاديت احباط صباحي - عندما لم اجدها - بسيجارة بقيت وحيدة فى علبتها، التقطتها فى سعادة مصطنعة، و اتجهت إلى المطبخ لتحضير كوب شاي بالنعناع.. تذكرت مأثورة صديق " كوباية الشاي نَـفَس " فأبتسمت لها، التقطتها بحنان، وأخترت لها معلقة صغيرة تليق بها.وبمزاج و ود .. صنعتها...تناولتها ببطء ، وأتجهت إلى عملي وعلي وجهي ابتسامة.
------------------------------
اخترت مكانا خاليا في الأتوبيس المكيف، جلست و وضعت بجواري حقيبتي الصغيرة، حجزت بها مكانا لها ، لملاكِ .
يتوقف السائق كثيرا، كل مرة التفت إلى الباب، ولكنه – ملاكِ – لم يصعد بعد، لا أعلم من أي سماء – شارع – سيهبط؟ ، ولا كيف تبدو ؟ ، لون شعرها ، ملمس وجنتها ، رسمة شفتاها، لا أحب اللواتي ترتدين النظارات الشمسية، ..، الآن اري ابتسامتها، نظرتها ، كانت جذابيتهما لا تقاوم ، اتخيلها وهى تعتدل على سريرها ، تلقى نظرة على هاتفها المحمول، ثم تتفادي احباطا صباحيا – لأني لم أرسل لها رسالة - بكوب نسكافيه من صنع يديها ، تبدأ يومها على مهل، ثم تبدأ في الهرولة عندما تتيقن من تأخرها على موعدها، تتجه إلى العمل ، ثم تبدأ الساعات فى إلتهام اليوم ...يوما يجر وراءه أخر ، و 27 عاما – عمري- مضت، لم يشأ قدرنا العسر أن نتقابل فى احدها صدفة.
حقيقي كان حزنى وانا أهمس " يا ملاكُ لا آراه ..هل حسبك أن الله يراك"
كنت الخامس بين إخوتي. ولكن نداهة المشاوير خاطبتني مبكرًا، لأني ذكر صغير. وأخي ذكر كبير. وبيننا فتاتان لا يصح أن يخرجا إلا للشديد القوي، م...